
تعتبر قراءة الروايات القصصية المشوقة من أكثر المواد المقروءة تحفيزاً
للدماغ، وتنشيطاً للمناطق المختلفة فيه، وهذه الحالة العقلية أثارت فضول
ناتالي فيليبس (مدرِّسة في جامعة ميشيغان الأمريكية) لفحص النشاط الدماغي
عند قراءة رواية بشكل معمق..
حيث كانت تندمج في قراءة الروايات حتى تشعر وكأنها تعايش أحداث القصة بنفسها، فتنسى العالم الواقعي حولها.
أرادت ناتالي أن ترى الفرق بين نشاط الدماغ في حال القراءة السطحية العادية
والقراءة المعمقة، وبمساعدة تقنيات تصوير الدماغ تم توضيح ذلك الفرق،
فتبين وجود فرق بين الحالتين في مناطق الدماغ التي تتعلق بالانتباه كما كان
متوقعاً، لكن الذي لفت انتباه الباحثة هو أن القراءة المعمقة أظهرت أثراً
كبيراً ونشاطاً دماغياً شاملاً.
فبدأت مناطق كثيرة من الدماغ بالعمل، من ضمنها تلك المناطق التي تتعلق
بالحركة واللمس، وكأن القارئ يتخيل الأحداث ويضع نفسه مكان الشخصيات، وهذا
يعني أن قراءة الروايات تجعلنا نعيش تفاصيل كثيرة وتجارب عديدة في الحياة
دون أن نتحرك من مكاننا، مما يمكنك أن تستنتج فائدة القراءة في إنتاج خبرات
حياتية عديدة.
أجريت الدراسة نفسها في جامعة أتلانتا الأمريكية، وتمت بمنهجية مختلفة
قليلاً حيث تم اختيار عينات عشوائية (21 طالباً) من طلاب الجامعة نفسها،
وكُلفوا بقراءة رواية ذات سرد قصصي مشوق (رواية Pompeii لكاتبها روبرت
هاريس).
مما جعل المشرفين على العمل يتأكدون من اندماج الطلاب مع أحداث القصة بينما
يقرؤون، وتم بالتأكيد فحص أدمغة الطلاب قبل البدء بالبحث، لمعرفة الفرق في
حال حصول تغيرات في البنية الدماغية.
كان على كل طالب أن يقرأ قسماً معيناً من القصة كل يوم مساءً، ويتم فحصه في
الصباح التالي وهو بحالة راحة، أي أنه متوقف عن القراءة، وتم ذلك على مدى
تسعة عشر يوماً، بعدها خضع الطلاب لفحص لاختبار فهمهم للقصة، ثم فُحصت
أدمغتهم بعد ذلك بحالة راحة أيضاً.
تم ذلك الفحص بتقنية تصوير الرنين المغناطيسي للدماغ، وكان الباحثون يتابعون تطورات الدماغ يوماً بعد يوم، فلاحظوا النتائج التالية..
ارتفاع نسبة التواصل بين خلايا الدماغ في المنطقة الصدغية اليسرى (فوق الأذن)، وهي المنطقة الحساسة لغوياً من الدماغ، وتبين أن هذه التوصيلات الجديدة قد بقيت في الدماغ حتى لو أن الطلاب فُحصوا بحالة راحة، وهذا ما يُدعى بـ(shadow activity).
لوحظ ارتفاع في نسبة التواصل بين الخلايا العصبية في منطقة الشق المركزي من الدماغ، وهي المنطقة التي تحوي خلايا عصبية مسؤولة عن صنع أو تمثيل الحركة في خيالنا مما يجعلنا قادرين على تنفيذها فيما بعد، وهو ما تم تجريبه على الرياضيين كما تعلمون.
كما لاحظ الباحثون أن قراءة الروايات ستزيد حتماً من ذكائك العاطفي، أي قدرتك على فهم مشاعر الأشخاص أمامك والتعامل مع الحالة العقلية التي يعيشونها، حيث أن قارئي هذه القصص سيمرون بخيالهم بالتأكيد على كم كبير من المشاعر التي تتنوع بين الخوف، الفخر، الإحباط، الغيرة، السعادة، الاكتئاب، إلى ما هنالك من مشاعر، وهذا ما سيزيد من خبرتهم بها، وقدرتهم على ملاحظتها أكثر من غيرهم.
قال عالم الأعصاب جريجوري بيرنز..
نعلم مسبقاً أن القصص الجميلة تجعلك في إحساس رمزي بحالة الشخص الذي تقرأ عنه، ونحن نرى الآن أن هناك شيئاً ما يحدث على المستوى الحيوي الخلوي










